هل نرى أنفسنا بوضوح ؟..


25 Sep
25Sep

أثناء حياتنا اليومية، يتعرض تقديرنا لذاتنا إلى العديد من المطبات ويمر بالكثير من التقلبات  فيرتفع ويعلو أو ينخفض إلى أدنى مستوى. فأحيانا  قد نشعر بالثقة والرضا، وأحيانا أخرى قد نشعر بعدم الأمان وعدم الارتياح. وبقدر ما يمكن أن يكون هذا الأمر مقلقًا، إلا أنه ليس نادر الحدوث. وفي أغلب الأحيان لا يكون السبب ما يحدث في حياتنا اليومية، بل صوت داخلي سلبي يُعرف باسم "الصوت الداخلي الانتقادي".

الصوت الداخلي الانتقادي عبارة عن مجموعة من الأفكار السلبية المترابطة فيما بينها تجاه أنفسنا والآخرين. فبالإضافة إلى جلد الذات، فإن هذا العدو الداخلي هو السبب الجذري لسلوكنا الغير القادر على التكيف. فنحن لا نسمع هذا "الصوت" كهلوسة سمعية، بل هي عبارة عن سلسلة من الأفكار التساؤلية والانتقادية، التي تحد من ذاتنا، وسلوكياتنا وتفاعلاتنا خلال يومنا.

 لفهم كيفية عمل هذا الصوت، من المفيد أن ننظر أولاً إلى مصادره. يتشكل النقد الداخلي لدينا من تجارب الحياة التي مررنا بها في سن مبكرة والتي تؤثر على إحساسنا بهويتنا. فكما تقوم التجارب الإيجابية للحب والدفء والأمن بتحفيز تشكيل إحساس إيجابي بذاتنا، فإن تجارب الحياة السلبية  تتقوم بتحفيز نقدنا الداخلي. وفي محاولتنا لفهم التجارب المؤلمة أو المؤذية، تتوصل عقولنا إلى استنتاجات حول هويتنا وصورتنا التي يراها الناس.

إن المواقف المؤذية التي نتلقاها من والدينا أو من الأشخاص الأساسيين القائمين على رعايتنا، وكذلك التفاعلات المؤلمة التي نخوضها مع أقراننا، أو أشقائنا، أو البالغين المؤثرين، من شأنها جميعها أن تساعد في تشكيل صوتنا الداخلي الانتقادي. قد يجعلنا الوالد الناكر أو الرافض نشعر بأننا غير مهمين أو وكأننا عبء. أيضا الوالد الذي  يقوم بالحكم على أمور حياتنا قد يجعلنا نشعر بأننا مليئين بالعيوب وببساطة لسنا جيدين بما فيه الكفاية.

كأشخاص بالغين، قد نواصل عيش حياتنا بشكل مستقل، لكننا نكون قد تشبعنا هذه المواقف وحملناها معنا، وكأنه يستمر وجود الآباء الناقدين داخل رؤوسنا. الجزء الصعب في هذه العملية هو أننا نادرًا ما ندرك بأن هذه الأفكار ليست الا قوى خارجية تقوم بتشكيل وجهة نظرنا الواقعية. وبدلا من ذلك، نعتقد أن صوتنا الداخلي الانتقادي هو وجهة نظرنا الحقيقية.

إذن، كيف يؤثر هذا الصوت الداخلي علينا في حياتنا اليومية؟ إن صوتنا الداخلي الانتقادي ماكر، لأنه لا يملأ رؤوسنا فقط بالشك الذاتي، والتعليقات الحاقدة، والتقييمات اللاذعة لكل شيء بدءًا من الطريقة التي ننظر بها إلى الأشياء وصولا إلى الطريقة التي نتصرف بها، بدءا من هويتنا وصولا إلى ما نستحقه، ولكن قد يكون إلى حد ما مهدئا للذات. على سبيل المثال، لو كنا نفكر في الخروج هذه الليلة، ويصادف أن نلمح أنفسنا في المرآة، فقد يتسلل هجوم صوتي مصاحب لتعليق مثل، "تبدو فظيعًا. لماذا تكلف نفسك عناء ارتداء الملابس أصلا؟" وقد يبدأ الأمر أثناء الاستحمام بـ : "ما الهدف من الخروج؟ أنت شخص غريب الأطوار. " في اللحظة التي نرتدي فيها ملابسنا، قد يغير هذا الصوت نبرته ليقول لك "لست بحاجة إلى الخروج، أتعلم؟ يمكنك البقاء في المنزل ومشاهدة برنامجك المفضل وتناول مشروبك المفضل والاسترخاء. الخروج سيجعلك تشعر بالسوء على أية حال ". يمكن لهذا الصوت أن يتحول بسرعة من كونه قاسيًا وانتقاديا إلى صوت ذو نبرة ناعمة ومهدئة. ومع ذلك، فإن النتيجة هي نفسها. في اللحظة التي نستسلم فيها ونقرر البقاء في المنزل، على سبيل المثال، يصبح الصوت أقوى. "أنت شخص فاشل. تقضي ليلة الجمعة في المنزل مجددا. ستبقى وحيدا إلى الأبد ". من المفيد أن نتذكر أن هذا الصوت ليس في صالحنا أبدًا. بالعكس، فلقد تم تصميمه لإعادة تأكيد المعتقدات السلبية الحالية التي نتمسك بها عن أنفسنا، أي "أنت غريب الأطوار، غير محبوب، إلخ".

والجانب الآخر المحير لصوتنا الداخلي الانتقادي هو أننا نقوم بتحريف هويتنا في كلا الاتجاهين. ولأن صورتنا الذاتية تشعر بالهشاشة  بسبب هذه العملية الفكرية السادية، فإننا نميل إلى التقليل من شأن أنفسنا والدفاع عن أنفسنا في ذات الوقت. فعلى سبيل المثال، إذا أخبرنا شريكنا بشيء يزعجه  بشأن تصرفنا أو قام رئيس عملنا بإعطائنا انتقادات بناءة، فقد نشعر بتهديد مبالغ فيه ونصبح دفاعيين. في اللحظة التي نشعر فيها بالهجوم، قد نحتج ونجادل كأن صورتنا الذاتية بالكامل مبنية على هذا الانتقاد، لأن ناقدنا الداخلي يجعلنا نشعر بهذا الشعور.

غالبًا ما نكون حساسين بشكل خاص للنقد الذي يتشابه مع الأصوات الداخلية الانتقادية الموجودة مسبقًا لدينا عن أنفسنا. قد يبدو هذا غير بديهي، لأنه وبكل بساطة من المتوقع أننا نتفق مع هذا النقد. وفي الحقيقة، عندما نشعر بالفعل بالضعف الشديد وعدم الأمان بشأن جانب واحد من أنفسنا، فأنه يصبح اي انتقاد وكأنه يؤكد هذا المفهوم السلبي لذاتنا ويجعلنا نشعر بالضيق الشديد. قد نكون أكثر وعيا وننتقد أنفسنا، لكننا أيضًا دفاعيون جدًا عندما يتعلق الأمر بالاعتراف لأي سلبيات في شخصياتنا.

نشعر بأننا لا نستطيع التعامل مع  الاتتقادات أو الملاحظات التي يقدمها لنا الآخرون، لأن الأفكار السلبية مترسخة في عقلنا والتي صوتنا الداخلي الانتقادي يستحوذ على هذه الأفكار ويحولها إلى هجمات. مثل الفلتر الذي يقوم بإيقاف الأفكار الإيجابية وفي نفس الوقت يقوم بتضخيم الأفكار السلبية، مما يجعلها أكثر ضررًا.

غالبًا ما يكون رد الفعل المؤلم (أو يمكن تسميته رد الفعل المبالغ فيه) نتيجة مشاعر أو ذكريات للعواطف التي تكونت من الظروف التي جعلت الصوت الداخلي الانتقادي يظهر في المقام الأول. فعلى سبيل المثال، فلنعد إلى مثال الوالد الذي يتجاهل أو يرفض احتياجاتنا، فقد يجعلنا هذا الرفض أو التجاهل نتأثر بسرعة وبسهولة تجاه الأشخاص الذين يعتقدون بأننا نكثر من المطالب بأي شكل من الأشكال. وكثيرا ما نتخوف من ردود فعل محددة لأن العواطف المثارة مترسخة في ماضينا. قد نبالغ في تفسير ما يقوله شريك أو صديق أو زميل في العمل أو قد نسيء تفسير ما يقال، وكل هذا لجعل ما يقولونه يتناسب مع شعور مؤلم مترسخ بهويتنا.

بالطبع، هذه العملية لا إرادية إلى حد كبير وناتجة عن العقل الباطن. نحن لسنا مدركين لمشاعرنا الاولية التي تم تكوينها وبالمقابل نشعر بوجود الصوت الداخلي الانتقادي حين يبدأ بالظهور داخل رؤوسنا. وبدل تفهم هذا الصوت الانتقادي، نسارع إلى الدفاع عن أنفسنا، ومهاجمة الشخص الآخر، وربما بعد ذلك، مهاجمة أنفسنا مرة أخرى. يمكن لصوتنا الداخلي الانتقادي أن يخلق حلقة مفرغة ويديمها، ولكن الخبر السار هو أنه يمكن كسر هذه الحلقة.

أول طريقة لفعل هذا هي أن نتبنى التعاطف مع الذات وهو عكس تقدير الذات، فهو يعني أن نكون لطفاء مع أنفسنا بدلاً من تقييم قيمتنا. ويشمل هذا اللطف أن نكون مدركين لحقيقة أننا كثيرًا ما نستمع لموجه  داخلي يؤلمنا لا يخدمنا بل على العكس. ولمحاولة الفهم والتغلب على هذا النقد الداخلي، يجب علينا أولا تحديد وقت ظهوره، وفهم مصدره، وفصل وتعزيز وجهة نظرنا الحقيقية عن مايتكرر غالبا وتقويتها، وأخيراً تحدي السلوك الذي يساعد على استمراره. وأثناء قيامنا بذلك، نحتاج إلى التعاطف مع الذات.

ووفقا لما ذكرته الباحثة في مجال التعاطف مع الذات، الدكتورة كريستين نيف، فإن التعاطف مع الذات يشمل "الانفتاح على معاناة الفرد ومدى تأثره بها، ومنح مشاعر الاحتواء واللطف لنفسه، ومحاولة التفهم والانصاف لذاته وتقبل أوجه القصور أوالسلبيات التي عانى منها الفرد، والاعتراف بأن تجربته هي جزء من التجربة الإنسانية المشتركة التي يمر بها جميع البشر". يسمح لنا التعاطف مع الذات بمقابلة الناقد الداخلي  فينا (الأفكار السلبية) والتعاطف معه ومراعاته. وهذا ما يسمح لنا بتنمية هذا التعاطف ليشمل الآخرين. لمعرفة من نريد أن نكون، يجب أن نتخلى عن قيود الناقد الداخلي فينا ونتبنى التعاطف مع الذات.

 المقال مترجم عن الدكتورة ليزا.تمت ترجمة المقال بواسطة موقع https://www.budur-abdulwahed.com/.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.