01 Dec
01Dec

القوائم الثلاث للتفكير المتعمق: الانفتاح، والمراقبة، والموضوعية


لاستعادة السيطرة على العقل, نحتاج إلى قوة التفكير المتعمق الموجودة في صميم (بصيرة العقل). 

تبرز قدرة بصيرة العقل حين يساعدنا تواصلنا مع الآخرين ومع أنفسنا- على التفكير المتعمق في حقيقة هويتنا وما يجري بداخلنا. 

سأستكشف هنا ثلاثة عناصر محددة للغاية من التفكير المتعمق التي هي في صميم قدراتنا الفكرية: الانفتاح والمراقبة والموضوعية.

 أحب أن أفكر في هذه العناصر الأساسية على أنها القوائم الثلاث
للحامل ثلاثي القوائم الذي يستقر عليه منظور بصيرتنا العقلية. 

من دون الحامل ثلاثي القوائم، قد لا نرى أذهاننا إلا خلية نشاط مشوشة ومزدحمة التي تكون تفاصيلها الدقيقة مفقودة بسبب صورها المتسارعة ومشاعرها سريعة الزوال، ولكن عندما يتم تثبيت منظورنا في وضع مستقر، يتحقق التركيز على التفاصيل، فتتسنى لنا الرؤية بدرجة أكبر من العمق والدقة. ومن حالة الاستقرار هذه نكتسب كل مواهب الفطنة: دقة النظر، والبصيرة، والإدراك، وفي نهاية المطاف الحكمة.

 الانفتاح يعني أن نكون متقبلين لكل ما يخطر بوعينا ولا نتشبث بأفكار مسبقة حول كيف "ينبغي أن تكون الأشياء، فتتخلى عن التوقعات ونستقبل الأشياء كما هي على حقيقتها، بدلا من محاولة جعلها كما نريدها. يتيح لنا الانفتاح استشعار الأشياء بوضوح، ويمنحنا القدرة على التعرف على الأحكام التقييدية وتحرير عقولنا من قبضتها.

 المراقبة هي القدرة على إدراك الذات حتى عندما نكون في خضم حدث ما. إنها تضعنا في إطار مرجعي أكبر وتوسع منظورنا لحظة بلحظة بعبارة أخرى، تسمح لنا المراقبة الذاتية برؤية الإطار الأشمل الذي نعيش فيه، وتوفر المراقبة وسيلة فعالة تخول لنا الابتعاد عن السلوكيات التلقائية والاستجابات المعتادة؛ فيتسنى لنا استشعار دورنا في هذه الأنماط والشروع في البحث عن سُبل لتغييرها.

 الموضوعية تتيح لنا التفكير أو الشعور دون الانجراف وراء أي منهما. إنها تستخدم قدرة العقل لإدراك أن أنشطته الحالية - أفكارنا ومشاعرنا وذكرياتنا وقناعاتنا ونياتنا- مؤقتة، والأكثر من ذلك أنها لا تمثل كينونتنا كلية ولا تمثل كذلك هويتنا. الموضوعية تسمح لنا بتطوير ما يسمى أحيانا بقوة التمييز، فمن خلال قوة التمييز يمكننا رؤية أن الفكر أو الشعور هو مجرد نشاط عقلي، وليس حقيقة مطلقة. لاحقا في هذا الكتاب  أن أحد  جوانب قوة التمييز هو القدرة على أن نكون واعين بكيفية وعينا، الانغماس الكامل في الشيء محل انتباهنا. هذا "الوعي الفائق"، أو الوعي بالوعي، هومهارة فعالة يمكن أن تحررنا من سجن ردود الفعل التلقائية.


إذن، فإن جوهر التفكير المتعمق، الذي يعد أساسيا في بصيرة العقل، هو أننا نظل منفتحين ومراقبين وموضوعيين بشأن ما يجري داخلنا وداخل الآخرين. ومن دون أي واحد من هذه القوائم الثلاث، تصبح بصيرة العقل غير مستقرة وتصبح قدرتنا على أن نرى عقولنا أو عقول الآخرين بشكل واضح ضعيفة.

مع التفكير المتعمق يمكننا أن نراقب أنفسنا بانفتاح وموضوعية، ويمكننا استشعار تدفق المشاعر الخارجة عن السيطرة على أنها مجرد جزء من قصة هويتنا. علينا أن نكتسب القدرة ذات الأهمية البالغة التي تتيح لنا التعامل مع المشاعر المحتدمة دون أن نفقد زمام الأمور، ومن شأن هذه القدرة أن يكون لها أثر كبير في تفريقنا بين الانفجار العاطفي العنيف والتعبير الطبيعي المعتدل.

 لا شك أنه عندما نكون في حالة انهيار، يكون من الصعب استخدام مهاراتنا الخاصة بالتفكير المتعمق، ولكن بمجرد أن نتحرر من هذه الحالة المفككة الانفجارية، فإن التفكير المتعمق يساعدنا أيضا على النظر إلى الوراء والنظر على نحو أعمق فيما حدث. إذا أدركنا أن هذا الحدث العقلي لم يكن ممثلا لهويتنا بالكلية، فإننا نكتسب المسافة اللازمة للتفكير المتعمق والتحرر اللازم لتحمل المسئولية عن أفعالنا ومشاعرنا. يمكننا أن ننظر إلى سلوكياتنا التلقائية والتوصل إلى فهم أعمق قد يسمح لنا بالتصرف على نحو مختلف في المستقبل.

مراعاة القوائم الثلاث للتفكير المتعمق, يتيح لنا كل عنصر من هذه العناصر ظهور مصدر قوي للتعافي بعد حدوث اضطراب في علاقاتنا، وكل عنصر هوجزء أساسي من سمة اللطف التي نحتاج إلى توسيع نطاقها بعد حدوث مثل هذه الاضطرابات.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.