العيش في تطابق: عندما يتماثل الداخل والخارج


07 Sep
07Sep

تعرفت على فكرة التطابق لأول مرة خلال دراستي العليا في الاستشارات النفسية. معنى التطابق في السياق النفسي ببساطة أن ما يصدر منك من أفعال وكلمات ولغة جسد وغير ذلك يتشابه مع ما هو مكنون بداخلك من أفكار ومشاعر وأحاسيس وغيرها. وإذا لم يكن ما يصدر منك يتطابق مع ما يوجد داخلك يُقال إن الشخص غير متطابق أو يفتقر للتطابق. من أكثر الأمثلة شيوعاً على عدم التطابق عندما تلتقي شخصاً فيسألك "كيف حالك اليوم؟" فترسم على وجهك ابتسامة زائفة وترد "بخير"، على الرغم من أنك تمر بيوم سيء ولست بخيرٍ على الإطلاق. يتذبذب مستوى التطابق لدى كل شخص تقريباً، وهناك مواقف نواجهها باستمرار قد لا يكون التحلي بالتطابق التام فيها حكيماً أو مفيداً، بمعنى آخر هناك مواقف لا يفيد فيها أن نبوح بما نفكر فيه أو بما نشعر فيه. على سبيل المثال إذا أخبرت مستثمراً محتملاً خلال اجتماع تجريه معه أنه لا يعجبك لأن رائحته كريهة أو ملابسه غير متناسقة فسيكون لذلك نتائج سلبية.


القناع الذي نرتديه جميعاً

يقول عالم النفس كارل غوستاف يونغ إن كل منا لديه شخصية مظهرية، وهي تلك الذات التي نظهرها أمام العالم، ولا يشير وجودها إلى أي مشكلات تتعلق بالصحة العقلية. لكن المشاكل تظهر عندما ننجرف إلى حالة من عدم التطابق بممارستها باستمرار، عندما نعتقد ونؤمن أننا في الواقع شخصيتنا المظهرية هي الحقيقة و العيش من خلالها باستمرار حتى مع الأصدقاء والعائلة وننسى من نحن في الأصل في داخلنا، عندما ننسى ذاتنا الحقيقية. نبدأ في فقدان القدرة على الاختيار الواعي لما نعرضه ونظهره للعالم، وينتهي بنا الأمر بعيش حياة ضحلة باهتة رتيبة مثل الإنسان الآلي.


الجذور

أول من استحدث مفهوم التطابق النفسي هو عالم النفس الأمريكي الشهير كارل روجرز في الخمسينيات من القرن الماضي، حيث عرّفه بأنه التماثل بين التجربة والوعي، بينما عرّف عدم التطابق بأنه استخدام قناع أو واجهة في محاولة لإخفاء مشاعر المرء الحقيقية، كما شدد على أهمية التطابق بالنسبة للمعالج النفسي، وكان هذا تحولاً جذرياً عن نموذج اللوح الفارغ الذي كان يستخدمه المحللون النفسيون متبعو منهج فرويد في ذلك الوقت. ورأى روجرز أن المعالجين الذين يختبئون وراء ستار الاحترافية ليسوا صادقين، وبالتالي فإنهم غير قادرين على توفير أشياء مثل الدفء والاتصال الإنساني، وهي مكونات مهمة للشفاء النفسي في رأي روجرز.


لا يمكننا إخفاء ما بداخلنا على الدوام 

وفقاً لبحث أجراه ألبرت محرابيان يتكون التواصل بنسبة 55% من لغة الجسد وبنسبة 38٪ من نبرة الصوت، وهذا يترك نسبة لا تتعدى 7٪ للكلمات الفعلية. واتضح أيضاً أن التحكم في لغة الجسد ونبرة الصوت وصياغتهما عمداً أكثر صعوبة من التحكم في الكلمات واختيارها، بمعنى آخر يواجه الجسد والصوت صعوبة في تزييف ما بداخلنا. وجميعنا نعرف هذا الشعور المضحك الذي ينتابنا عندما يخبرنا شخص بشيء ما نعلم تماماً أنه غير حقيقي أو غير منطقي، وهذا ينتج عن خروج بعض ما يوجد داخل الشخص للخارج من خلال الجانبين الأكثر تعبيراً وصدقاً: لغة الجسد ونبرة الصوت. وفي الواقع لا يجيد معظمنا خداع الآخرين لدفعهم للاعتقاد بأن شخصيتنا المظهرية حقيقية، ولكننا نعيش في ثقافة تدعم إلى حد كبير بناء شخصية مظهرية جيدة ومبهرة. إذن ما هي المشكلة؟ لماذا ننفق جميعاً الكثير من الوقت والطاقة على عدم التطابق بما يجعلنا نشعر بالسوء في حين أن الجميع يستطيعون معرفة ذلك بالفعل؟ تخميني لسبب ذلك هو أنه على الرغم من أن معظمنا يشعر بالفعل عندما يتواصل شخص معنا على نحو غير متطابق إلا أننا ندرب أنفسنا على تجاهل هذا الشعور والتماشي مع ما يتم إظهاره لنا.


إننا نعيش في ثقافة تفضل في معظم الأحيان تقديم إجابة لطيفة زائفة على تقديم إجابة حقيقية قد تضر بنا أو تتسبب في "مشكلة"، والنتيجة الحتمية لذلك هي تعزيز عدم التطابق.


من المفترض أن يؤدي لشعور سيء

الشعور بالحيرة بشأن حقيقة ما تريده أو ما تشعر به ووجود شعور متغلغل بالعزلة والإرهاق جميعها علامات تشير إلى أنك تعيش في حالة من عدم التطابق. وهذه المشاعر السلبية تمثل تحذيراً بوجود خطأ ما؛ فقد تعني أنك بعيد حقاً عن جزء كبير من شخصيتك، أو قد تعني أنك تخاف من إظهار ما في داخلك للآخرين خوفاً من الحكم عليك.


عدم التطابق شعور سيء! ومن المفترض أن يدفعنا لمعرفة أننا بحاجة إلى التغيير.

يؤمن روجرز أنه نظراً لأن عدم التطابق يجعلنا نشعر بالسوء في نهاية المطاف فإن كل البشر لديهم دافع فطري ليصبحوا أكثر تطابقاً، حتى إذا لم يكن التطابق في عائلاتهم الأصلية مدعوماً أو حتى آمناً. ويمثل التطابق من وجهة نظر روجرز جزءاً كبيراً مما أسماه تحقيق الذات - ذروة التطور البشري السليم؛ فهو يرى أنه عندما تكون الذات الحقيقية والذات المتصورة والذات المثالية جميعها متفقة معاً فيما يمكن تسميته الذات فإننا نشعر بإحساس عظيم بالسلام والوضوح. وبالإضافة إلى ذلك يمكن توجيه الطاقة التي كانت تستخدم سابقاً للفصل بين هذه الذوات الثلاثة نحو المزيد من الأنشطة النافعة التي تفيد البشرية جمعاء. 

أتمنى أن تحيا حياة أكثر تطابق و حقيقة مع ما يكمن داخلك..


 المقال مترجم عن الكاتب Dan.

تمت ترجمة المقال بواسطة موقع https://www.budur-abdulwahed.com/.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.